يتعامل
الناس مع اللغة باعتبارها أداة عرضية يمكن استبدالها بأخرى، أو يمكن التخلص منها
بعد استعمالها دون تشويش أو ضرر قد يلحق الكينونة أو يقلص من العوالم التي تأتيها
من خارجها. فاللغة في تصورهم مجرد أداة خارجية تأتي إلى الذات بعد الولادة كما
تأتي إليها الأحلام والرغبات العابرة. فالأساسي في التبادل الاجتماعي ليس لغة تعيد
بناء العالم في مستويات تجريدية عالية، بل ما يمكن تبادله من أشياء على مستوى
الحاجات المباشرة وغير المباشرة.
والحال
أن الإنسان ناطق في الذاكرة الزمنية لا في اللحظة العابرة، وذاك قدره، إنه يمارس
الفعل ويفكر فيه ويتصوره قبل حدوثه. وبذلك، فإنه يراكم خبرة لا تنتفي بانتفاء
الشروط التي أنتجتها. إن الإنسان، على خلاف الكائنات الأخرى، ليس مجهزا بطاقة
سلوكية أو "فكرية" قبلية، إنه يتعلم كيف يكتسب كل شيء مما تقوله
الكلمات، فهي وحدها ما يشكل ذاكرته وهي مستودع الفكر عنده. إن الأشياء والكائنات
التي تستوطن اللغة لا تموت أبدا. فالعالم غني في اللغة التي تمثله لا في مادياته
وحدها.