يمكننا السرد من التصرف في الزمن لكي يصبح حاضنا لتجربة تقاس على دفقه وانتشاره في الحنين والندم والترجي. إنه وسيلتهم في تعميم ما يعيشه الفرد ضمن شرطه الاجتماعي. فنحن نحيا في الأرض قصة واحدة: قصة الحب والحقد والكراهية، والمودة والرحمة، وقصة النضال من أجل العزة والعيش الكريم والدفاع عن وحدة الأوطان أو العمل على تمزيقها، وهي أيضا قصة الكثير من المعارك الصغيرة التي تروي سعينا في الأرض من أجل لقمة العيش.
وليس غريبا أن يسعى الرومانسيون الأوائل إلى البحث عن الأصول الأولى لمحكيات الناس، أي البحث عن الحكاية الأولى التي تفرعت عنها كل حكايات الكون. إنها الرغبة ذاتها التي دفعت بعض اللسانيين إلى البحث عن لسان أصل منه اشتقت كل الألسنة. يتعلق الأمر في الحالتين معا بسبيل نحو العودة إلى الواحد المطلق، أو هو التوق الدفين الذي يدفع الناس إلى استكشاف لحظة الخلق الأولى. إن وضع اليد على الأصل هو وضع اليد على الشكل الأول للمعنى. ومن أجل ذلك كان علينا الدفع بالتجريد إلى حدوده القصوى لكي نمسك بما يوحد بين الناس في فضاء الأرض وفي متاهات الزمن الكوني، ما يوحي بوجود نقطة لا شيء بعدها، إنها "سدرة المنتهى" حيث جنة النعيم أو جحيم المأوى، فتلك هي بؤرة الحياة ومنشؤها ومنتهاها.