عبد السلام المنصوري
الرواية والدهشة
غاية ما يطمح إليه هذا العمل، هو إعادة الاعتبار للفن الروائي، سواء على مستوى الإبداع أو على مستوى النقد والتأويل. فإمام ثورة روائية غلبت جانب الكم على حساب الإبداع، وأمام تراجع دور النقد، وانحسار وظيفة التلقي في تحويل النص الإبداعي إلى عناصر شكلية فارغة، باتت الرواية مهددة بفقدان شرطها الوجودي وحسها الأخلاقي، وهو اكتشاف المناطق المجهولة، وإضاءة الأماكن المعتمة في الوجود الإنساني، والإعلاء من تذكّر معالم الحياة الملموسة، أو التوجّه إلى "الأشياء الدنيا"، كما جعلها الفينومينولوجيا أن تقول. لقد اكتشفت الرواية بطريقتها الخاصة والفريدة، مظاهر الوجود المختلفة، واقتحمت العالم الباطني للإنسان، وقدمت للإنسانية خبرة معرفية عميقة، وأضافت إلى وجوده أبعادًا فنية وجمالية، واستطاعت الإنصات إلى جوهر الكينونة، والنفاذ إلى صميم الكائن، أو ما أسماه "ماساشيرو" بـ "ولادة أدب الأعماق".
إن روح الرواية هي روح الاحتمالات المفتوحة للحياة، وهي التعبير الخالص عن إنشاء بدائل الفعل الإنساني، كل إمكانات الحياة التي عشناها والتي لم نعشها، كل ما يمكن للإنسان أن يكونه، كل فرضة لم ندركها، وكل قرار أجّلنا عن اتخاذه. إنها حيوات أخرى غير معاشة، ينتظر أن تُحيا أو أن تُفتن، تُبعث من الموت، أو على العكس تتحلل في التراب.