تعرف
مجتمعات واقتصاديات القرن الواحد والعشرين تحولات نوعية كبرى على المستوى
المؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي. وتتطور هذه التحولات في ظل
نماذج للتنموية تشهد تفككا متسارعا، استنفدت بفعله إمكاناتها في تحقيق التوازنات
الكبرى على أكثر من صعيد. لذا بات التفكير يتجه حاليا نحو وضع جيل جديد من نماذج
للنمو وأشكال بديلة للتنمية. ومرد هذا التوجه إلى قناعة جماعية راسخة مفادها أن
نماذج التنمية، السائدة حاليا في العالم، لم تعد قادرة على تلبية الحاجيات الجديدة
للمواطنين. ويتجلى هذا الواقع بصفة خاصة على مستوى الانسجام بين مختلف مكونات
النظام الاقتصادي، وعجزه عن الاستجابة لمتطلبات الإدماج المهني والاجتماعي
والثقافي والمؤسسي، خاصة صوب فئات عريضة من الشباب والنساء، فضلا عن انعكاساته على
صعيد التوازنات المناخية، وعن احتوائه لنظم للحكامة لم تستطع بعد من جعل قيم الاستحقاق،
والمنافسة النزيهة، وتساوي الفرص بين المقاولات وبين الأفراد في صلب العقلانية
العامة لتدبير الاقتصاد والمجتمع.
يحاول
هذا الكتاب معالجة أهم هذه الظواهر التي تميز نموذج التنمية لمجتمعات واقتصادات
القرن الحادي والعشرين، مركزا في ذلك على تحليل القطائع الكبرى، ومبرزا التحديات
الرئيسية التي سوف تواجهها هذه المجتمعات والاقتصادات خلال هذا القرن، وبخاصة
القارة الإفريقية.