حين أمر بالديار وأعبر
المسالك التي قطعها جدي، وهو يقود ركب الحج الذي انطلق من قبيلته في اتجاه سان لوي
أواخر القرن التاسع عشر، وهي أولى محطات رحلته للحاق بالباخرة التي تنتظره في
داكار بالسنغال، أتمثل صورته كما لو كان حيا يرزق، يتحرك أمامي وأسمع صوته، وأراه
رأي العين.
أرى جدي بعين خيالي يركب
ناقته الصهباء وهو يقود الركب، يخترق بنظرته الحادة ذلك المدى الصحراوي الذي
تتماوج فيه صور الأشياء التي يغشاها ما يشبه ضبابا غائما عند خط الأفق، أحيانا
أخرى أراه يتغذى بحليب النوق وحبات تمر، ويكتفي بالقليل.
يحدث ذلك عادة بعد أن ينتهي
من صلاته المسائية التي يؤم فيها الجماعة، أحيانا أخرى أراه يفتح دفتي كتاب مخطوط
بين يديه، الكتاب مغلف بجلد الغزال وهو يقرأ بتمعن واستغراق، يتشرب الصمت من حوله
ويغوص في قلب المعنى، ويستمر ساعات على تلك الحال، لا يجرؤ أحد على قطع استغراقه،
ثم ينهض واقفا ليراقب مغيب الشمس وقدوم العتمة المترددة، يعود إلى جلسته ويعدل
لثامه الملتف حول رقبته ووجهه ويترك عينيه فقط تخترقان الكلمات المكتوبة بخط اليد.
كان أصحابه من الفقهاء
والقضاة يقولون عنه في غيابه وفي حضوره إنه سيد العارفين، لأنه يحفظ في صدره ما
علمه الله من أسرار وبيان، لكنه تلك اللحظة، وهو يستريح بمحطة البيتورة، ويهم
بالرحيل نحو اندر على مصب نهر السنغال، كان يحشر ضجيج أسئلته المؤجلة بين تلك
الكلمات المخطوطة ولا يجد خلفه إلا ما تتركه الجمال من آثار على الطريق، هل آلمه
فراق الأحبة من الإخوة والأخوات وأفراد العشيرة؟ هل يجد مغنمه في مكاسب الروح التي
تهفو لزيارة المقام النبوي الشريف، ولذلك أوهنه الشوق وتلاشت أمامه معالم الطريق
التي ترسمها الكلمات التي يقرأ؟ هل تملكه قلق غامض، هو نتيجة ما تحبل به المغامرة
من مفاجآت متوقعة؟ لا أحد يدري.