ما
كان يشدني إلى الوقائع التي أروي بعض تفاصيلها في هذا النص هو السيرورة التي تحول
من خلالها ما عشته حقا إلى تجربة جديدة تعيد الكلمات بناءها، إنها إخراج لغوي
لحياة تمت في حقيقة الواقع. وكان ذاك سبيلي إلى تحديد الفجوة الرفيعة الفاصلة بين
الاستيهام والحقيقة، بين ما عشته فعلا وبين ما أضافته اللغة لحظة الترتيب والتركيب
وما قدم وما أخر، وما أعيدت صياغته وفق وعي اليوم لا استنادا إلى ما وقع قديما
حقا. وتلك هي مخلفات صمت الفواصل والبياض واللا محدد في الذاكرة. إن السرد يبحث
دائما في الزمن عن الحنين والندم والحسرة والزهو وعن الذي تحقق والآمال التي ضاعت
سرابا. فنحن لا نحكي من أجل التسلية، إننا نفعل ذلك من أجل رد قضاء، أو من أجل
الهروب من زمنية راهنة تستعصي على الترويض عبر استحضار أخرى روضها السرد.
وذاك شرط اشتغال الذاكرة، إنها تستعيد ما خزنته حقا وما علق بها عرضا، أو
ما حاولت إعادة تركيبه استنادا إلى حيوات أخرى هي ما يصدق على ما يرويه الناس عن
أنفسهم. فنحن في السيرة وفي الحياة أيضا نستمد جزءا كبيرا من هويتنا من انتماءات
قبلية.