Se rendre au contenu

نحن و التراث


لا يتعامل هذا الكتاب مع التراث كرصيد معرفي نعود إليه كلما ضاقت بنا أسئلة الحاضر، ولا كمرجعية نهائية تهيمن على وعينا دون مساءلة ؛ بل يقدم التراث بوصفه "نظاما" يتسرب إلى طرائق تفكيرنا، ويعيد تشكيل بنيتنا العقلية قبل أن نلتفت إليه كنصوص. فالتراث، في هذا العمل، ليس مادة للحفظ أو مادة للهدم، بل هو الحقل الذي يختبر فيه الوعي العربي حين يواجه ذاته في المرآة لأول مرة دون وساطة.
يطرح الدكتور محمد بشاري سؤالا لا يبدأ من التراث، بل يبدأ من "نحن": من هي هذه ال"نحن" التي تتحدث باسم التراث؟ وما الطبقات التي تكونت فيها صورتها عن ذاتها؟ هنا يخرج الكتاب من ثنائية الدفاع والهجوم ليشتغل على البنية العميقة: بنية العقل الذي ورث التراث كما ورث طريقة فهمه. فالقضية ليست في النصوص، بل في الجهاز المعرفي الذي يتعامل معها، في الآليات الذهنية التي تنتج المعنى، وفي المخاوف والرهانات التي تصوغ علاقة الذات بتاريخها.
يتعامل الكتاب مع التراث كحقل تتصارع داخله بنيتان: بنية تميل إلى تحويل التراث إلى "هوية ناجزة"، وبنية أخرى ترى فيه إمكانية لإعادة بناء سؤال الحاضر. وبين هاتين البنيتين يشتغل المؤلف على المسافة الحرجة التي طالما غابت في قراءاتنا: المسافة التي تسمح لنا أن نرى التراث لا كامتداد تلقائي لوعينا، ولا كقطيعة مع وعينا، بل كطبقة من طبقات تكوينه.
بهذا المنهج، يتجاوز الكتاب منطق "العودة إلى الماضي" إلى منطق "تفكيك الوعي بالماضي". فالتراث هنا ليس استعادة لما كان، بل اختبارا لما يحكم تفكيرنا الآن. لا يسأل: ماذا ترك لنا الأسلاف؟ بل: كيف اشتغلت مقولاتهم على تشكيل بنية العقل المعاصر؟ وكيف نفكك هذه البنية دون أن نسقط في فخ التدمير أو في فخ التقديس؟
إن نحن والتراث ليس كتابا عن الماضي، بل عن الحاضر الذي يسكنه الماضي. ليس قراءة للتراث، بل قراءة للوعي الذي ينتجه. وبهذا يصبح السؤال المركزي شجاعا ومحرجا في آن:
هل نقرأ التراث لنفهمه، أم نقرأه لنحمي الصورة التي صنعناها عن أنفسنا؟
إنه كتاب يفتح الباب لإعادة بناء العقل قبل إعادة قراءة النص، ويجعل من التراث مساحة لإعادة التفكير في "نحن" بوصفها مشروعا لا يزال في طور التكوين، لا هوية اكتملت منذ زمن بعيد.

المركز الثقافي للكتاب محمد بشاري Dernières parutions
120,00 DH 120,00 DH

Livraison : 24 à 48h au Maroc
Conditions générales
Garantie satisfait ou remboursé de 30 jours