أصبحت
الصورة حاضرة، بكيفية اجتياحية، في كل مجالات الحياة؛ وبسبب حضورها الكاسح، يبدو
من الصعب ادعاء التمكن منها مفاهيميا. كما أن الصورة لا تحيل دائما على الوقائع،
والحالات، والمعاني نفسها؛ فعالم النفس، أو السيميولوجي، أو الأنثروبولوجي، أو
الفيلسوف، ومؤرخ الفنون؛ يتعاملون مع موضوع الصورة بطرق تلتزم بالاختيارات
المنهجية والمقتضيات المفاهيمية التي تميز هذا الحقل الفكري أو ذاك. فالصورة
امتداد للإدراك بالنسبة للبعض، أو هي تحمل معلومات ومعطيات قابلة لاختزانها في
الذاكرة، وقابلة لاستحضارها بمساهمة المخيلة في نظر آخرين، أو هي انعكاس لوقائع،
وترجمة لأنماط من التواصل بين منتج ومتلق، أو هي تكثيف ل "حوض دلالي"
ولمتخيل ثقافي عابر للأزمنة والأمكنة، يفجر من خلالها رموزا تعبر عن تطلعات،
وممارسات، وأوهام، وحقائق أفراد مجتمع من المجتمعات؛ كما هي عنصر حيوي في "البناء
الثقافي" الذي يعبر عما هو بصري. ولذلك يترجم تعدد مقاربات الصورة غنى وتعقد
"المفهوم"، ويظهر إمكاناته الاستكشافية، وصعوباته الاستعمالية، وأوجه
انزياحيته.
تتعدد
الصور وتختلف باختلاف مستنداتها التقنية وأنواعها، وتتفاوت عمليات إدراكها وفهمها
حسب حقول النظر والتفكير؛ لاسيما وأن طبيعتها الاجتياحية في الحياة اليومية، من
خلال صور المجال العام، أو الشاشات الكبيرة والصغيرة؛ ألزمت الجميع الدخول إلى
عوالمها؛ مجرورا بسحرها وإغرائها وموضوعاتها، وبقدراتها اللامحدودة على تقديم
روايات لا متوقفة عما يجري في العلن كما في الخفاء.
يعمل
هذا الكتاب على عرض واستشكال بعض أبعاد الصورة: كطرق النظر إليها، وتداخل الوظائف
التي يقوم بها المتلقي، وتشابك السياقات في الإدراك الفعلي للصورة؛ سواء من زاوية
اعتبارها صورا بصرية، أو صورا ذهنية، أو صورا رمزية.