لقد
أجمع فقهاء الأمة وعلماؤها ومفكروها، على أهمية علم أصول الفقه؛ سواء كانوا من
القدماء أم من المحدثين، أو المعاصرين، ووافقهم في ذلك من لا يدين بالإسلام، ولا
ينضوي في ملته. هكذا كتبت فيه المؤلفات، وصنفت فيه الأسفار، ودرس في المعاهد، وفي
المدارس، وفي الجامعات..؛ وما مرد ذلك إلا أنه وثيق الصلة بعادات المجتمعات،
وعباداتها، ومعاملاتها، وبما تقتضيه من أفعال، وأعمال، وتدافع؛ وقد ازدادت العناية
به في خضم الأوضاع المعاصرة الثائرة الفائرة، بحيث إنه لا يكاد يخلو يوم من الأيام
من صدور مكتوب حوله، أو من عقد لقاءات، وندوات تتدارس خطابه.
لقد
سمحت لنفسي، في هذا الكتاب أن لا أجعله مجرد تطبيقات مدرسية متداولة في مؤلفات
أصول الفقه القديمة، والحديثة، والمعاصرة، واستعراض تأريخي خطي موجود في كتب بذل
أصحابها مجهودات مشكورة، وإن تغلبت فيها الرواية على الدراية؛ وسدا لهذه الثغرات،
فإني "مزجت" التنظير بالتطبيق، ونبهت إلى العلل، والأسباب؛ إذ فن الأصول
جماع لأسس ميتافيزيقية، ومعرفية، وفلسفية، ومنطقية، وعقدية، ومذهبية؛ لهذا يعثر
القارئ على مفاهيم مثل الغائية، والتجزيء، والذرية، والشمولية، والتقابل، والتضاد،
والاستقراء، والاستنباط... وعلى إشارات إلى بعض مبادئ المعتزلة، والأشاعرة... وإلى
الشافعية، والمالكية...