لا يشك من يتابع واقع الإنتاج الروائي العربي في الأونة الأخيرة في أن هناك نوعاً من الاستسهال في عملية الكتابة الروائية، وأن الميسر في الحكم لا يمكن أن يُصدر حكماً قاسياً عليها. لكن مع رواية عمر الغريب لسلمى أمانة الله، يمكن القول بثقة إن هذه الرواية تستحق الوقوف عندها.
رواية عمر الغريب رواية مدهشة، لأنها تمثل صدوراً عن عالم روائي مميز، وفرضية جمالية متطورة، ولغة عربية سليمة ورائقة، وبُنية سردية عميقة.
تنطلق الرواية من ظاهرة اجتماعية تمثلها فئة من الأطفال مجهولي النسب، وتعرض هذه الظاهرة من خلال قصة عمر الذهبي، رغم كل المعاناة التي تصادفه، إلا أنه لم يفقد إنسانيته، لكنه طلب العدالة وواجه تحديات اجتماعية كثيرة.
ولعل ما يميز عمر الغريب أنها تطرح موضوعاً إنسانياً مؤثراً، وتقدم نماذج بشرية صادقة في تفاصيلها، وقد استعانت الروائية بخطاب فني عالٍ، بعيد عن التقرير أو التوثيق المباشر، بل هو خطاب أدبي يحمل بعداً جمالياً، ويعتمد على لغة رشيقة وعميقة تخدم البناء الفني.
في رواية عمر الغريب جاء الخطاب في خدمة القصة، وكانت القصة في خدمة الخطاب، لا يسيطر السرد أو الحوار على مستواه الفني، بل يتكاملان بانسجام لتقديم رؤية سردية متكاملة.
فالرواية تقدم شخصياتها بعناية، وتبني عالمها بذكاء، وتوظف اللغة ببراعة، فتتعدد أبعادها ودلالاتها التي تتناغم جميعها في خدمة قضية حساسة تمس الواقع العربي المعاصر.
إذاً، نحن أمام رواية لها مشروعها الخاص، وشخصياتها المرسومة بعمق، حيث يبحث كل منهما عن ذاته، ويتحقق في تفاعل خصب مع محيطه.