شكلت السينما حدثًا مفصليًا في الثقافة المعاصرة، ساهمت، ومازالت تساهم في التأثير على إدراكاتنا ومداركنا، ووعيَنا. وهي تملك علاقة بالعالم، تملك قدرة كبيرة على التأثير في الأبعاد الجمالية والإستيطيقية، الأخلاقية، السياسية، الوجودية، وتشخيص الوضعيات الإنسانية بغير مسوّغ غير أداة التمثيل والتصوير والممارسات الفنية.
يحاول هذا الكتاب أن يقدم وقفات خاصة مع ممارسات فنية وأعمال سينمائية، ويتناول الكيفيات التي تعبر بها السينما عن مفاهيم فكرية وفلسفية، ويقدم أعمالًا سينمائية شكلت لحظات إبداعية في التعبير عن مفاهيم الجسد، والحرية، والمكان، والزمان، والحركة، والهوية، والانتماء، والذاكرة، والنسيان، والآخر، والعدالة، والحدث، والسلطة، والمجتمع المدني، والروح، والمقدس، والمعنى، والعبث، والإنصات، والمقاومة، والمشترك الإنساني، والعالم المشترك، والموت، والعدم، والكينونة، والحقيقة، وغيرها من المفاهيم التي ظلت تمثل المادة الخام للتفكير الفلسفي، والتي انفتحت عليها السينما بأدواتها ووسائطها الجمالية والتقنية، بما يجعل من الكتاب محاولة في فلسفة السينما، وفي نفس الوقت، تفلسف السينما.
يتناول الكتاب أيضًا صورًا سينمائية متقاطعة مع نصوص فلسفية، أو فلاسفة كبار مثل أفلاطون، وديكارت، ونيتشه، وهيدغر، ودولوز، وبارتيكو، وريكور، وآخرين، كما يتناول أفلامًا لمخرجين كبار شكلوا علامات فارقة في تاريخ السينما مثل: كريستوفر نولان، وأندري تاركوفسكي، وستانلي كوبريك، وبازوليني، وساتياجيت راي، وآخرين.
وهو محاولة لجعل السينما معبرًا لفهم تحولات الوجود الإنساني، وراهن العالم المعاصر، من خلال تحليل أفلام عالمية تتوزع على أكثر من خمس عشرة دولة، وتجمع بين اتجاهات سينمائية ومدارس فنية متباينة. وهو في ذلك يتوزع على محورين اثنين: محور أول نظري يتناول صورة الوجود، ويحاول تحديد معالمها ومصادرها، ويتناول بعض المفاهيم الكبرى التي ارتبطت بمسار التفكير الفلسفي، ومحور ثاني تطبيقي يتناول صورة الوجود في السينما، ويبحث في الكيفيات التي تم بها تجسيد المفاهيم الفلسفية، عبر وسائط وتقنيات السينما، واستعمالاتها الجمالية، والجمالية الفلسفية تحديدًا.
إنه دعوة لقراءة سينمائية، فلسفية، للفكر عندما يأخذ صيغة الأنطولوجيا، وسؤال الكينونة.