يستجمع هذا الكتاب عدة حوارات أجراها الكاتب اللبناني شربل داغر مع "شيخ المستشرقين"، الفرنسي الراحل جاك بيرك (1995-1910) في السنوات الأخيرة من حياته. وهذه تتناول مشاهد عريضة ومقربة مما عاشه في فرنسا بالطبع، وفي أكثر من بلد عربي، بين الجزائر، والمغرب، وتونس، ومصر، ولبنان وغيرها. كما تتناول الحوارات معايشات ووقفات وجدالات تخص كتبه ودراساته وآراءه ومواقفه في مسائل عديدة، سواء في "حياة" هذه المجتمعات، أو في مسارات النخب فيها.
هذا ما عنى التحقق من موقع بيرك بين الدارس للبنى الاجتماعية، والناشط في حراك الشارع العربي، فكان أن جمع بين الفحص الأكاديمي "البارد" والانخراط "الساخن" في شواغل الجمهور وخيارات النخب السياسية والثقافية، سواء في بناء الاستقلال، أو في صياغة الحداثة. ذلك أن جاك بيرك كان يتصدر المدارس الاستشراقية في ذروة الجدل حول مسيرتها وأهدافها وصحتها وجدواها العلمية، فيما كان يتبدى كذلك في موقع الأليف، و"رفيق الدرب"، والأكثر قربا من أحوال "الانتقال من القدسي إلى التاريخي"، حسب لفظه. ولم تغفل الحوارات عن مساءلة بيرك حول تبدلات في مساره وشواغله، بين أن يكون، في بداياته، شديد القرب من اليسار العربي، وأن ينهي حياته التأليفية في ترجمة "معاني القرآن الكريم".
هكذا شملت الحوارات، بالتالي، مسارات وأحوالا، وتوقفت عند أعلام بين السياسة والثقافة: جمال عبد الناصر، وأحمد بن بلا، وعلال الفاسي، وطه حسين، ولوي ماسينيون، وعلي الوردي، وإدوارد سعيد، وأدونيس وغيرهم الكثير.
تستعرض الحوارات، وتستجمع، بالتالي نظرتين، وفي الوقت عينه: نظرة من خارج هذه المجتمعات، ما يعني التفكر التحليلي والنقدي في أحوالها وخياراتها، ونظرة قريبة من "داخلها" أيضا، من دون عداء، أو سعي إلى التحكم بها.