وجودنا في السرد أقوى من تفاصيلنا في حقيقة التاريخ، فما تبنيه الحكاية لا يمكن إلغاؤه أو التحكم في امتداداته. كل شيء يتم كما لو أن حياتنا مودعة في القصص قبل أن تتجسد في الحدث اليومي، لذلك قد تكون الحكاية هي الوسيلة المثلى، إن لم تكن الوحيدة لتسريب التجربة الفردية إلى ما راكمته الجماعة واحتفت به أو قاومته. وربما كانت هذه السردية ذاتها هي الأساس الذي بنيت عليه هوية الأوطان والأمم القديمة والحديثة، وبنيت عليه هوية الأفراد أيضا، بل هو الذي استندت إليه حالات الوجود القدسي نفسه، فلا يمكن للزمنية الدينية أن تصبح مرئية في الذاكرة والوجدان إلا من خلال استيطانها محكيات تستعيد ما عجز العلم عن تحديده بيقين مطلق أو نسبي. لذلك لا يختلف البحث عن “البدايات” في مجال السرد التخييلي عن الرغبة في تلمس البدايات الأولى للكون إلا في الظاهر. فبدايات السرد ليست سوى صورة مصغرة عن البدايات الكبرى في الوجود.