المقام والتواصل
يحظى مفهوم المقام بصدارة اهتمام الدارسين في حقل التواصل وتحليل الخطاب، فمن خلاله تداولوا بالتفسير والتأويل قضايا، وبالوصف والتشريح قضايا أخرى، مختلفة قضايا التواصل الجمالي (البلاغي) واليومي (العادي) والمشكلكة قديماً وحديثاً. ولذلك فإن الباحث في علاقة المقام بالتواصل يجعل نفسه في قلب إشكالات متداخلة ومتشابكة قضايا متفرعة ومتعددة. تبدأ بالمفردة المعجمية وتنتهي بالنوع الكلامي أو الأدبي مروراً بالجملة والنص، وتصل بين عوالم سياقية متباينة، لغوية وخطابية وبصرية، مما يطرح صعوبات وعوائق في التصنيف والتفسير والتوسيع، إضافة إلى صعوبات في الوصل بين المفاهيم المتعددة والمتباينة.
ويقدر ما يدعو الباحث إلى الاحترار والتحصيص، يفرض عليه فتح نافذة البحث على حقول معرفية متقاربة، متجاورة أحياناً ومتباعدة أحياناً أخرى. تسع لإدراك تقاطعات كافة جوانب الخطاب لدى الفرد نفسه، ومع الآخرين، ومع العالم والصحافة عبر الأزمنة المختلفة: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. المعرفة المقامية تتقاطع وموضوعات شتى وأساليب تشكيلها وتنظيمها من حقول معرفية مختلفة، قبل أن تفصل فيها الدراسات اللسانية الحديثة والتداولات كالسوسيولوجيا، والسيميولوجيا، والسيميوطيقا، والنقد الأدبي، والهيرمينوطيقا، والفينومينولوجيا، وفلسفة اللغة، وغيرها.
لذا انفتحت هذه الدراسة على تصورات متعددة وأحياناً متباينة، بتباين مرجعياتها الفكرية وخلفياتها النظرية. ولم يكن هذا التعدد والتباين عائقاً يحول دون تفكيك بنية المقام ورصد تمفصلاتها الدقيقة، بقدر ما كان وسيلة لاكتشاف آليات تشكيلها، بما مكّننا من فهم الأسئلة الحقيقية التي أفرزت المعرفة المقامية، هذه التصورات ومجالاتها المعرفية. ذلك أن قضايا المقام شكلت الخيط الرابط بين هذه التصورات والناظم لمواضعيها والخالق لأسئلتها.