السرد وسيلة مثلى تمكن الناس
من استعادة معنى حياتهم، فهو شبيه في ذلك بما يقوم به السوسيولوجي الذي يبحث في
مضمون الأفعال عن فاعلها الحقيقي بعيدا عن ذات تكتفي بتنفيذ ما سبق أن تعلمته من
محيطها. فنحن نولد قبل الولادة في إرث الوالدين، إننا نأتي بذلك إلى الحياة من
خلال نماذج سلوكية سابقة قد لا نتخلص منها أبدا. لذلك كانت الهوية موقعا داخل الذاكرة
السردية في المقام الأول، أي سيرورة تبنى ضمن ممكنات الفاعل، الفردي أو الجماعي،
ما تحقق منها أو ما ظل مجرد أحلام لن ترى النور أبدا. فنحن أسرى لغات ومحكيات
سابقة علينا، ففيها نولد ومن خلالها نتعلم كيف ننتمي إلى محيط ثقافي ستظل الذاكرة
خرساء خارجه.
استنادا إلى ذلك وجب تحديد
الروابط الخفية بين "وقائع مخصوصة" تعود إلى الفرد المعزول، وتلك قصته
في الحياة، وبين عموم "تجربة جماعية" قابلة للتداول ضمن سياق قيمي أوسع
من دائرة الذات وملكوتها المحدود، وذاك هو النص الكبير الذي يحتضن مجموع القصص
التي يستمد منها البناء المجتمعي شرعيته. فإذا حدث أن تخلص الناس من الحكايات، فإن
العالم سيصير أمامهم وخلفهم ومن كل الجهات موحشا غير قابل للعيش.