إني
مدين لكتاب المقاربات (Les Essais) لميشل دي مونتاين (القرن 16) الذي
ينبه القارئ مدخليا إلى أنه يرسم ذاته ويتخذ نفسه مادة لكتابته. لكن ما يميز هذه
السيرة الذاتية هو أنها في الغالب الأعم فكرية أو ذهنية، ولها صلات بمواضيع متنوعة
شتى في الفلسفة والأدب والتاريخ والأخلاق أو، إن شئنا، في الثقافة بمعناها
الإنساني العميق. ومونتاين يضطلع بها ويطرقها كذات عاقلة ووجدانية تدرك ما تتحدث
عنه وتنفعل به وتتفاعل معه. ولا أخفي أني سأقتدي بنهجه ما استطعت من حيث إني لن
أعالج موضوعاتي إلا وأنا متلبس بها ومنضو فيها إما ذاتيا على نحو صرف وإما أدبيا
وفكريا وإما لغويا وثقافيا. وفي سياق هذا الاقتداء الموضوعاتي أضيف أيضا فريدريك
نيتشه (القرن 19) في سيرته الفكرية هذا الإنسان (Ecce Homo)، حيث يتحدث عن ذاته من خلال إخضاع
مجمل أعماله الفلسفية لعملية استرجاعية تأملية. ويرى نيتشه أن السيرة الذاتية لأي
فيلسوف لهي من إحدى المفاتيح الناجعة لفهم أفكاره وكتاباته. وقد أدرج في المنحنى
نفسه مؤلف أندري مالرو (القرن 20) الصريح التوجه على عتبة عنوانه المذكرات المضادة
(Les Antimémoires)...