عندما نجحت «داعش» في وضع الأسس الأولى لدولتها المزعومة، لم يدرك العالمُ كيف استطاعت تحقيق أهدافها المرحليّة (استدراج مقاتلين من كلّ بقاع العالم)، فانبرت جيوش المحلّلين والخبراء لتحليل واقعها وقوّتها الاستراتيجية، غير أنّهم أغفلوا حجرها الأساس الذي هو خطابها. وهذا ما حاول رݣوزينسكي التنقيب في أدوات اشتغاله والحفر في جذوره الأنثروبولوجية. ما طبيعة خطاب داعش التجذيري؟ ما الذي يجعله فعّالاً ومقنعاً؟ ما الذي يميّزه من باقي الخطابات الشموليّة أو الجذريّة؟ إنّ قوته تكمن في ربط الوضع الاجتماعي لمرشّحي الجهاديّة وجروحهم النفسيّة برمزيّةٍ تتعدّى حاضرهم في إطار إعادة تنشيط خطاطات متقادمة، ما يمنح هذا الخطاب قوّةَ جذبِه، ويجعل منه جهازاً للسلطة قادراً على إيهام أشخاصٍ بقدرته على تلبية ندائهم الداخلي. الخطابُ التجذيري، إذاً، دعوةٌ لمعانقة جذر المشكل، لكنّ الحركات الجهادية تحوّر محتواه خدمةً لأهدافٍ تتجاوز واقعَ الصراع مع الغرب، وبحثاً عن إعادة تجميع الجسد الجمعي الإسلامي خارج السيرورة الديمقراطية عبر طقسٍ يكتسي دلالةً رمزية وسياسيّة ألا وهو القربان.