إننا نحضر في العالم من خلال ما تقوله الكلمات عنا، ونسكن أجسادنا من خلال ما يكشف عنه الحجم الدلالي فيها. لذلك كنا دائما في حاجة إلى التأويل، لأن اللغة لا تحمل ما يكفي من الحقائق عن الأشياء التي تحيط بنا، أو تقول عنها أكثر مما يجب قوله، أو تسميها لغايات تتجاوزها. فجزء من هوية الإنسان مودع في رغبته في أن يكون أكبر وأوسع وأعظم مما يسمح به شرطه ككائن فانٍ. “فأن ننساق في هذه الحالة، وراء متاهات المعنى، فإن ذلك لا يُشكل تناقضا عندنا فنحن نسعى إلى خلق توافق أمثل مع أنفسنا” ومع محيطنا.
وتلك طبيعة المعنى، إنه صياغة ثانية لوجود لا يمكن أن يكشف عن نفسه إلا من خلال دلالته في الذهن. فقد يتجلى في التسميات والصفات والتعيين، وقد يكون تلميحا، وقد يكون أيضا قصدا ووجهة وغاية، ولكنه في جميع هذه الحالات هو وسيلتنا من أجل إعداد مناطق جديدة لا يمكن أن تدرك في حقيقتها إلا من خلال استحضار ما نما وترعرع على هامش “الحقيقي” في حياتنا. فنحن لا يمكن أن نفهم إلا ما له معنى، ولا يمكن أن نسير إلا في الطرق المؤدية إلى مال.