Se rendre au contenu

اختلاق أوربا



  يقدم عالم الأنثروبولوجيا والمؤرخ الفرنسي إيمانويل تود مقاربة نقدية حول الفكرة السائدة عن وحدة أوروبا التاريخية والثقافية، متجاوزًا الرؤية التقليدية التي تجعل من القارة الأوروبية كيانًا متماسكًا متجانسًا عبر العصور. يسعى تود إلى تفكيك هذا التصور، موضحًا أن “أوروبا” لم تكن أبدًا وحدة طبيعية قائمة بذاتها، بل هي بناء تاريخي نشأ من خلال عمليات ديموغرافية وثقافية ودينية معقدة، ولم يكن التطور السياسي والاجتماعي لدولها سوى نتاج لهذه العوامل المتباينة.

يعتمد تود في تحليله على منظور الأنثروبولوجيا التاريخية، حيث يقارن بين البنى العائلية والأنظمة الاجتماعية عبر التاريخ، مؤكدًا أن أوروبا ليست كيانًا موحدًا بقدر ما هي فسيفساء من التقاليد الثقافية والعائلية المختلفة. فهو يقسم القارة إلى مناطق ذات نماذج اجتماعية متميزة، مثل أوروبا الأنجلوساكسونية ذات الطابع الفردي والتحرري، وأوروبا الجرمانية ذات النزعة التنظيمية والتسلسل الهرمي، وأوروبا اللاتينية المتأثرة بالكاثوليكية والنظم الأسرية الممتدة، وأوروبا الشرقية التي عرفت بأنظمة بطريركية صارمة وامتزاج بين التقاليد البيزنطية والسلافية. هذا التحليل يجعل من فكرة “الهوية الأوروبية” مفهومًا إشكاليًا، حيث إن ما يُنظر إليه اليوم على أنه قيم أوروبية مشتركة هو، في الحقيقة، تطور حديث وليس جوهرًا ثابتًا في تاريخ القارة.

يرى تود أن التغيرات الاجتماعية الكبرى في أوروبا لم تكن نتيجة حتمية لفلسفة التنوير أو الثورات السياسية فحسب، بل كانت في الأساس مدفوعة بعوامل ديموغرافية مثل نسب الولادات، أنماط الزواج، ومستوى التعليم. يلاحظ تود، على سبيل المثال، أن انخفاض معدلات الأمية كان العامل الحاسم في انتشار الديمقراطية، وليس الأفكار الليبرالية وحدها. وهو هنا يعارض السردية الشائعة التي تجعل من الحداثة الأوروبية نتاجًا خالصًا للفكر التنويري، بل يراها ظاهرة مرتبطة أساسًا بالبنى المجتمعية وقدرتها على استيعاب التحولات الاقتصادية و السياسية.
إيمانويل طود
200,00 DH 200,00 DH

Conditions générales
Garantie satisfait ou remboursé de 30 jours
Livraison : 2-3 jours ouvrables